محمد بن جرير الطبري

535

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال أبو جعفر : فإن قال قائل : فما وجه وصال مَنْ واصَل ؟ فقد علمت بما : 3028 - حدثكم به أبو السائب قال ، حدثنا حفص ، عن هشام بن عروة ، قال : كان عبد الله بن الزبير يُواصل سبعة أيام ، فلما كبِر جعلها خمسا ، فلما كبِر جدًّا جعلها ثلاثا . 3029 - حدثنا أبو السائب قال ، حدثنا حفص ، عن عبد الملك ، قال : كان ابن أبي يعمر يفطر كل شهر مرة . 3030 - حدثنا ابن أبي بكر المقدّمي قال ، حدثنا الفروي ، قال : سمعت مالكا يقول : كان عامر بن عبد الله بن الزبير يواصل ليلةَ ستَّ عشرة وليلة سبعَ عشرة من رمضان لا يفطر بينهما ، فلقيته فقلت له : يا أبا الحارث ماذا تجدُه يقوِّيك في وصَالك ؟ قال : السمْن أشرُبه أجده يُبلّ عروقي ، فأما الماء فإنه يخرج من جسدي ( 1 ) . = وما أشبه ذلك ممن فعل ذلك ، ممن يطولُ بذكرهم الكتاب ؟ قيل : وجه من فعل ذلك إن شاء الله تعالى على طلب الخموصة لنفسه والقوة ( 2 ) لا على طلب البرّ لله بفعله . وفعلهم ذلك نظيرُ ما كان عمر بن الخطاب يأمرهم به بقوله : " اخشَوشِنوا وَتمعْددوا ، وانزوا على الخيل نزوًا ، واقطعوا الرُّكُب وامشوا حُفاة " ( 3 ) .

--> ( 1 ) الخبر : 3030 - ابن أبي بكر المقدمي : هو أبو عثمان أحمد بن محمد بن أبي بكر المقدمي ، شيخ الطبري . و " الفروي " بفتح الفاء وسكون الراء : هو إسحاق بن محمد بن أبي فروة ، وقد سبق مثل هذا الإسناد إلى مالك : 876 . ولكن قال الطبري هناك : " حدثنا أبو عثمان المقدمي " . وهنا لم يذكر اسمه ولا كنيته ، بل نسبه إلى جده . ( 2 ) " الخموصة " مصدر خمص بطنه خمصا ( بسكون الميم وفتحها ) وخماصة . ولم يذكروا " الخموصة " في كتب اللغة ، وهو عربي عريق كقولهم : الفسالة والفسولة ، والرذالة والرذولة ، وفارس بين الفراسة والفروسة ، ورجل جلد بين الجلادة والجلودة ، وبطل بين البطالة والبطولة ، وأشباه ذلك . ( 3 ) اخشوشن الرجل : لبس الخشن وتعوده ، وأكل الخشن ، وعاش عيشا خشنا وبالغ في التخشن . وتمعدد الرجل : تشبه بعيش معد بن عدنان في التشظف وترك التزيي بزي العحم . يعني : اصبروا على عيش معد في الحضر والسفر ، وتشبهوا بلباسه ، ودعوا زي الأعاجم . النزو : الوثب ، يأمرهم أن يثبوا على الخيل وثبا بلا استعانة بركاب . والركب جمع ركاب : وهو ما يكون في سرج الفرس يضع الراكب فيه رجله ، فإذا كان مثله في رحل البعير سمي " الغرز " .